الثعالبي

322

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

و ( اصطفى ) هنا : معناه : تخير صفوة الأديان . وقوله : ( فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) : إيجاز بليغ ، وذلك أن المقصود من أمرهم بالإسلام الدوام عليه ، فأتى بلفظ موجز يقتضي المقصود ، ويتضمن وعظا وتذكيرا بالموت ، وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت ، ولا يدري متى ، فإذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إلا وهو عليه ، فقد توجه من وقت الأمر دائبا لازما . وقوله تعالى : ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ) هذا الخطاب لليهود والنصارى الذين انتحلوا الأنبياء - صلوات الله عليهم - ونسبوهم إلى اليهودية والنصرانية ، فرد الله عليهم وكذبهم ، وأعلمهم أنهم كانوا على الحنيفية الإسلام ، وقال لهم على جهة التقرير والتوبيخ : أشهدتم يعقوب بما أوصى ، فتدعون عن علم أو لم تشهدوا ، بل أنتم تفترون ، " وأم " ( 1 ) : للاستفهام في صدر الكلام ، لغة يمانية ، وحكى الطبري أن " أم " يستفهم

--> ( 1 ) في " أم " هذه ثلاثة أقوال : أحدها : وهو المشهور أنها منقطعة ، والمنقطعة تقدر ب‍ " بل " وهمزة الاستفهام ، وبعضهم يقدرها ببل وحدها ، ومعنى الإضراب انتقال من شئ إلى شئ لا إبطال له ، ومعنى الاستفهام الإنكار والتوبيخ ، فيؤول معناه إلى النفي أي : بل أكنتم شهداء يعني لم تكونوا . الثاني : أنها بمعنى همزة الاستفهام وهو قول ابن عطية والطبري ، لا أنهما اختلفا في محلها : فإن ابن عطية قال : وأم تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر الكلام لغة يمانية ، وقال الطبري : إن أم يستفهم بها وسط كلام قد تقدم صدره . قال أبو حيان في قول ابن عطية : ولم أقف لأحد من النحويين على ما قال ، وقال في قول الطبري : وهذا أيضا قول غريب . الثالث : أنها متصلة وهو قول الزمخشري ، قال الزمخشري بعد أن جعلها منقطعة وجعل الخطاب للمؤمنين قال بعد ذلك : وقيل الخطاب لليهود ، لأنهم كانوا يقولون : ما مات نبي إلا على اليهودية ، إلا أنهم لو شهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه ، لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام ، ولما ادعوا عليه اليهودية ، فالآية منافية لقولهم فكيف يقال لهم : أم كنتم شهداء ؟ ولكن الوجه أن تكون " أم " متصلة على أن يقدر قبلها محذوف كأنه قيل : أتدعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء ، يعني أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام ، فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء ؟ قال أبو حيان : ولا أعلم أحدا أجاز حذف هذه الجملة ، ولا يحفظ ذلك في شعر ولا غيره لو قلت : " أم زيد " تريد : " أقام عمرو أم زيد " لم يجز ، وإنما يجوز حذف المعطوف عليه مع الواو والفاء إذا دل عليه دليل كقولك : " بلى وعمرا " لمن قال : لم يضرب زيدا ، وقوله - تعالى - : ( فانفجرت ) [ البقرة : 60 ] أي فضرب فانفجرت وندر حذفه مع أو كقوله : [ الطويل ] فهل لك أو من والد لك قبلنا أي : من أخ أو والده ، ومع حتى كقوله : [ الطويل ]